جيرار جهامي ، سميح دغيم
3298
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
متكاملا ، ولم يكن في سلبيّتها الأساسية ذاتية أصيلة ، ولم يكن لدى الدعاة إليها استعداد تام لوضع القوانين وصياغة الشرائع وتحديد المعايير ، وإذا هم يكتفون باختيار ما يحلو لهم من آراء الآخرين ، في صورة تعويضية عفوية ، وانتقائية تلقائية . وما دام همّهم الأوحد أن ينتزعوا من الكنيسة ونفوذها كلّا من الأمة والأسرة والأفراد ، فليأخذوا من كل مذهب بطرف ، وليعيشوا عالة على أحرار الفكر ، وليقتبسوا من آرائهم ما هم بحاجة إليه ، ولا سيّما فيما لا يزال الناس يتناقلونه من حكم الشعب للشعب في المجال الديمقراطي ، والحريات الأساسية والحقوق العامة في كل عمليات التحرّر والتحرير ، والنزعات المادية البحتة في ميادين التطوّر والتطوير . وهذا يفسّر إلى حدّ بعيد لماذا سايرت العلمانية وما انفكّت تساير عددا من الإيديولوجيات ، ولماذا تقف أحيانا كثيرة إلى جانب اليمين ، بل حتى اليمين المتطرّف ، وإن توهّم الناس أنها لا تلتقي إلّا مع أقصى اليسار . هذه « اللاييكية » التي سمّوها « العلمانية » ، بسلبيتها المغرية بالإلحاد ، وعقلانيتها المغلّفة بالحياد ، وانتقائيتها المغطّاة ظاهرا بحرية الأفراد ، بعد أن رأيناها في سياقها التاريخي لا تزيد على مفهوم فلسفي ، تحوّلت برغم ذلك كله إلى ثورة فكرية ، لا بفضل أصالتها الذاتية ، ولا بفضل انطوائها على حقائق داخلية ، بل بتأثير مباشر من التغيّرات المذهلة المتعاقبة التي أحدثها في المجتمع المدني مزيد من اكتشاف الإنسان للكون ، ومزيد من اكتشافه لنفسه ولطاقته العقلية المجهّزة بقوى تخترق حجاب المجهول . وما دام هذا التحوّل قد اعترى هذه العلمانية ، فنحن اليوم لم نعد ننظر إلى مضمونها الحديث بخوف وحذر ، إذا اصطلح معنا الدعاة إليها على أنهم لا يغلّفونها بالإلحاد ، حين يتظاهرون بأنهم من الدين على حياد . ( صبحي صالح ، الإسلام والحضارة ، 331 ، 26 ) . - العلمانية لا يمكن أن تعني ، في هذا السياق ( الصراع بين السلطة الزمنية والسلطة الدينية ) ، سوى طريقة لحل مشكلة ازدواج السلطة . إنها تعني ، على وجه التحديد ، عكس ما عناه مفهوم الدولة الدينية في القرون الوسطى . فإذا كانت الدولة الدينية شكّلت الأساس لحلّ مشكلة ازدواج مصدر السلطة عن طريق تغليب سلطة الكنيسة الدينية - السياسية على سلطة الدولة المدنية - السياسية ، فإن العلمانية حلّت المشكلة : إما عن طريق عكس الآية ، أي عن طريق تغليب السلطة الأخيرة على السابقة ، أو حصر السابقة في الشؤون الدينية وحدها . وما يعنيه هذا ، في نهاية التحليل ، هو أنه إذا كانت العلمانية هي الردّ على الدولة الدينية ، وإذا كانت الدولة الدينية هي الدولة التي تكون فيها الكنيسة مصدر السلطتين الدينية والزمنية ، إذا فإن ما تعنيه العلمانية هو ، على الأقل ، تجريد الكنيسة من سلطتها الزمنية ، وما تعنيه ، على الأكثر ، هو إخضاع الكنيسة لسلطة الدولة المدنية - السياسية . ( عادل ضاهر ، الفلسفة العلمانية ، 41 ، 14 ) . - إن العلمانية هي شرط ضروري وليس كافيا